هناك نوع معين من الصمت الذي قد يكتنف تشخيصًا مثل مرض هنتنغتون. ولا يكون هذا الصمت دائمًا صمت القبول أو الخصوصية. بل إنه أحيانًا صمت نابع من الخوف. الخوف من التعرض للحكم. الخوف من سوء الفهم. الخوف من أن يتوقف الناس، بمجرد علمهم بالأمر، عن رؤية الشخص نفسه، ويرون المرض فقط.
أنا أتفهم هذا الصمت لأنني عشت تجربة قريبة منه.
مرض هنتنغتون ليس مجرد حالة طبية. إنه حالة تنطوي على طبقات من سوء الفهم والافتراضات والوصمة الاجتماعية. عندما يسمع الناس عبارة “مرض تنكسي عصبي”، غالبًا ما يتخيلون الأسوأ قبل أن يطرحوا أي سؤال. قد يفترضون أن الشخص المصاب بمرض هنتنغتون لا يمكنه أن يعيش حياة ذات معنى، أو يتخذ قرارات، أو يعمل على تحقيق أهدافه، أو يحب بعمق، أو يساهم في العالم، أو يحلم بالمستقبل. وقد يلاحظون الحركات، أو التغيرات المزاجية، أو مشاكل التوازن، أو الاختلافات في الكلام، فيصدرون أحكامًا قاسية أو غير مستنيرة.
أعرف كيف يكون الشعور عندما ينظر إليك الناس قبل أن يفهموك.
قبل تشخيص حالتي، كنت أعاني من أعراض واضحة ومربكة ومخيفة. كان جسدي يقوم بأشياء لم أستطع تفسيرها. بدأت الحركات في أصابع يدي وقدمي ثم انتشرت في نهاية المطاف في جميع أنحاء جسدي. كنت أعاني من مشاكل في التوازن. كنت أعلم أن هناك خطبًا ما، لكن بدلاً من أن أُقابل دائمًا بالفضول أو التعاطف، كنت أُقابل بالحكم المسبق. وُصفت بأوصاف مؤلمة وغير صحيحة. افترض الناس أنني أتعاطى المخدرات. وافترضوا أنني ثملة. وافترضوا أنني غير مستقرة عقلياً. وتجاهلني بعض الأطباء قبل أن يستمعوا إليّ حقاً.
هذا النوع من الوصم مؤلم لأنه لا يقتصر على التشكيك في أعراضك فحسب، بل يشكك في شخصيتك أيضًا.
بالنسبة لي، كان أحد أكثر الجوانب إيلامًا في رحلتي هو أن يُقال لي، بشكل مباشر أو غير مباشر، إن مرض هنتنغتون لا يصيب شخصًا يشبهني. بصفتي امرأة سوداء، واجهتُ الأسطورة الخطيرة التي تقول إن السود لا يصابون بمرض هنتنغتون. وقد أدى هذا المفهوم الخاطئ إلى تأخير فهمي للمرض، وأثار الشكوك، وأضاف طبقة أخرى من العزلة إلى تجربة مؤلمة بالفعل. إن الكفاح من أجل الحصول على إجابات أمر صعب بما فيه الكفاية عندما يتغير جسمك. ويصبح الأمر أصعب بكثير عندما يقف تحيز الناس حاجزًا بينك وبين الرعاية التي تستحقينها.
عندما تلقيتُ أخيرًا تشخيصي من خلال الفحوصات الجينية، ظننتُ أن الحصول على دليل قاطع سيجلب لي السلام. وبعض الشيء، كان الأمر كذلك. فقد أعطى اسمًا لما كنتُ أعانيه. لكنه لم يمح الوصمة. حتى بعد مرور سنوات، ما زال هناك من يشكك في ما إذا كنتُ “مريضة بما يكفي”. كان هناك من يشكك في تشخيصي بسبب فهمهم المحدود لمرض هنتنغتون. كان هناك من ينظر إليّ في يوم جيد ويفترض أنني بخير. وكان هناك أيضًا من يرى حركاتي في يوم صعب ويعاملني كما لو كنت هشة أو عاجزة أو غريبة.
هذه هي الحقيقة المعقدة للعيش علنًا مع مرض هنتنغتون. في بعض الأيام، يتعرض المرء للحكم عليه لأن الناس لا يرون ما يكفي. وفي أيام أخرى، يتعرض المرء للحكم عليه لأنهم يرون أكثر من اللازم.
لم يكن التحدث بصراحة عن مرض هنتنغتون (HD) أمراً سهلاً بالنسبة لي دائماً. فالظهور العلني يقترن بالضعف. وعندما أروي قصتي، فإنني لا أروي نسخة مصقولة من المرض، بل أشارك شيئاً شخصياً للغاية. أشارك واقع العيش في جسد قد يكون سلوكه غير متوقع. أشارك الحزن على فقدان أجزاء من شخصيتي السابقة، بينما ما زلت أكافح لتكريم المرأة التي أصبحت عليها. أشارك الحقيقة المتمثلة في أن المرض المزمن لا يسلبني إنسانيتي، ولا ذكائي، ولا جمالي، ولا صوتي، ولا قيمتي.
ولهذا السبب أدافع عن هذه القضية.
بالنسبة لي، لم تبدأ مسيرة الدعوة كشيء ساحر أو علني. بل بدأت في عيادات الأطباء، حيث كنت أطرح الأسئلة وأصر على أن تؤخذ أعراضي على محمل الجد. بدأت بتصحيح الافتراضات عندما كان الناس يسيئون فهم حركاتي. بدأت بشرح أن مرض هنتنغتون (HD) مرض وراثي وعصبي ومعقد. بدأت بتعلم كيفية قول: ’هذا ما أحتاجه“، حتى عندما كانت صوتي ترتجف. وأصبحت الدعوة الذاتية أداة للبقاء على قيد الحياة.
مع مرور الوقت، ازدادت جهودي في مجال الدعوة. بدأتُ أروي قصتي بشكل أكثر علنية لأنني كنتُ أعلم أنني لستُ الوحيدة التي تعيش تحت وطأة وصمة العار. فكرتُ في الشخص الجالس في منزله، الذي تم تشخيص حالته مؤخرًا، ويتساءل عما إذا كانت حياته قد انتهت. فكرت في المرأة السوداء التي تبحث عن إجابات ولا تجد من يصغي إليها. فكرت في العائلة التي تخشى التحدث عن مرض هنتنغتون لأنها لم ترَ سوى الجانب المأساوي منه. فكرت في طالب الطب الذي قد يلتقي يوماً ما بمريض مثلي، ليتذكر أن مرض هنتنغتون له وجوه عديدة.
كما ساعدني التحدث بصراحة عن مرض هنتنغتون على استعادة قوتي. فالوصمة تزدهر في الخفاء، وتتفاقم عندما يخشى الناس التحدث. وفي كل مرة أقول فيها الحقيقة عن تجربتي، أستعيد جزءًا من قصتي. أذكّر نفسي والآخرين بأن مرض هنتنغتون جزء من قصتي، لكنه ليس صانع حياتي بأكملها.
أنا أكثر من مجرد تشخيصي.
إن القضاء على الوصمة الاجتماعية لا يحدث دفعة واحدة. بل يحدث في كل مرة نختار فيها الحقيقة بدلاً من الصمت. ويحدث عندما نصحح المفاهيم الخاطئة. ويحدث عندما نثقف العاملين في مجال الرعاية الصحية. ويحدث عندما نفسح المجال للأشخاص من ذوي البشرة الملونة للمشاركة في النقاشات حول الأمراض النادرة والوراثية. ويحدث عندما نتوقف عن التعامل مع المصابين بمرض هنتنغتون (HD) كحالات مأساوية، ونبدأ في تكريمهم كبشر كاملين.
أريد عالماً لا يضطر فيه المصابون بمرض هنتنغتون إلى إثبات معاناتهم حتى يُصدقوا. أريد عالماً تستطيع فيه العائلات التحدث بصراحة دون خجل. أريد عالماً لا تُعامل فيه المرأة السوداء المصابة بمرض هنتنغتون على أنها استثناء، بل كشخص قصته مهمة. أريد عالماً تُقابل فيه أعراضنا بالتعاطف، لا بالحكم عليها.
وحتى ذلك الحين، سأواصل التحدث.
لأن قصتي تستحق أن تُسمع. قصصنا تستحق أن تُسمع. وكل حوار صادق يقربنا خطوة واحدة من التحرر من الوصمة.